ابن أبي الحديد
74
شرح نهج البلاغة
فقتلوهما . ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا . وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه القوم وناس كثير آخرون ، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر ، فبلغ عليا توثبهم عليه ، فقال : ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين : صاحبنا الذي عزلنا بالأمس - يعنى قيس بن سعد بن عبادة - أو مالك بن الحارث الأشتر ، وكان على حين رجع عن صفين ، رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة ، وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ، ثم اخرج إلى أذربيجان ، فكان قيس مقيما على شرطته ، فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب على إلى الأشتر ، وهو يومئذ بنصيبين . أما بعد ، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الأثيم ، وأسد به الثغر المخوف . وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر ، فخرجت عليه خوارج ، وهو غلام حدث السن ، ليس بذي تجربة للحروب ، فأقدم على لننظر فيما ينبغي . واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام . فأقبل الأشتر إلى علي ، واستخلف على عمله شبيب بن عامر الأزدي - وهو جد الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار - فلما دخل الأشتر على على حدثه حديث مصر وخبره خبر أهلها ، وقال له : ليس لها غيرك ، فأخرج إليها رحمك الله ، فإني لا أوصيك اكتفاء برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك ، واخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم على الشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة . فخرج الأشتر من عنده ، فأتى برحله وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الأشتر مصر ، فعظم ذلك عليه ، وقد كان طمع في مصر ، فعلم أن الأشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به ، وقال له إن الأشتر قد ولى مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت ، حتل في هلاكه ما قدرت عليه .